محمد الغزالي

132

خلق المسلم

إن المنفقين هم - على السرّاء والضرّاء - بعين اللّه ، وفي كنفه ، تصلي عليهم الملائكة ويرتقب لهم المزيد ، أما الكانزون فلا يتوقع لهم إلا الضياع وهل يخلدون مع المال أو يخلد معهم المال ؟ إن المال عارية انتقل إلينا من غيرنا . وسينتقل منا إلى غيرنا . فلم التشبث به والتفاني فيه ؟ . إن كل ما يتعلق البشر به من حطام الدنيا سوف يدعونه لوارث السماوات والأرض وسينقلبون إلى ربهم عراة ، لا مال ولا جاه كما خلقوا أول مرة ، وسيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ؛ فلا غرو إذا نقم الملأ الأعلى على من ينسى هذه الحقائق ، وينطلق في ربوع الأرض ، لا هم له إلا جمع ما يضره ، ونسيان ما يفيده . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا » « 1 » . * * * وقد يحرص المرء على المال لأنه يريد ترك أولاده في ثراء يحميهم تقلب الأيام وأحداث الليالي . وهذا قصد حسن ، والمسلم مكلف أن يصون ذريته ، وأن يمنع عنهم العيلة ، وأن يراهم بمأمن من الحاجة إلى الناس . والإسلام الذي يأمرك أن تحارب الفقر في بيت الغريب لا يرضى لك أن تجره إلى بيتك . وفي الحديث : « . . لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس » « 2 » . لكن كفالة المرء لأولاده وضمانه لمستقبلهم لا يصح أن يتم على حساب دينه وخلقه وإنها لحماقة أن يضحي الإنسان بنفسه ، وبمروءته ، وبرضوان اللّه عليه ، ليقتر من كسبه ما يبقيه لعقبه . وقد كشف الإسلام عن أن أولاد المسلم وأمواله كسائر النعم التي تساق إليه ليمتحن فيها ، فإن وقف عندها ؛ وذهل عن الواجبات المكتوبة والتضحيات

--> ( 1 ) مسلم . ( 2 ) البخاري .